السيد كمال الحيدري

259

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

فهنالك وظيفة دينية وأُخرى أدبية لُوحظتا في النصّ القرآني ، فإذا ما أردنا تحليل ظاهرة التكرار القرآني فلابدّ من مراعاة هاتين الخصوصيّتين ، وهذا واضح . ولنأخذ شاهداً قرآنياً نُقرّب فيه تحقيق الوظيفتين الدينية والبلاغية ، وهو قوله تعالى : وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ ( الرعد : 5 ) ، حيث تكرّرت كلمة ( أُوْلَئِكَ ) ثلاث مرات ، فهل رُوعيت فيها ما التزمنا به من وظائف النصّ القرآني ؟ أما الوظيفة الأدبية البلاغية فواضحة جدّاً ، فالنصّ هنا سوف ينتابه الاضطراب والركاكة بشكل مُلفت للنظر ، بل سوف يحصل خطأ في التعبير ، حيث لا يُعلم من هم أصحاب النار في المقام ، هل هم أنفسهم أولئك الذين أنكروا نبوّة النبي صلى الله عليه وآله وكانت الأغلال في أعناقهم ؟ وأما الوظيفة الدينية فتتمثّل - بحسب الظاهر - ببيان الحكم الشرعي وإيصاله بطريقة لا تكون مشوبة بالخطأ أو الإيهام بذلك ، ومن الواضح بأنّ هذا المعنى لا يتحقّق في المقام دون هذا التكرار ، فهو تكرار ضروري على مستوى البلاغة وعلى مستوى التبليغ . إنما الكلام يقع في تكرار الآيات لاسيّما في السورة الواحدة وبصورة ملفتة للنظر ، كما هو الحال في تكرار آية : ( فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) في سورة الرحمن ، فهل يُخرّج ذلك في ضوء الوظيفتين الدينية والأدبية ؟ هنا نودّ أن نُقدّم عرضاً آخر نقرّب به صحّة التكرار الظاهري للآية الكريمة . من الثابت وجداناً وتحقيقاً : أن كلّ آية قرآنية لها معناها الخاصّ بها الذي لا تشترك فيه مع الآيات الأُخرى ، كما هو الحال بالنسبة لأيّ عدد رقمي حيث يختصّ بمرتبة ويتميّز بها عن سائر الأعداد والمراتب الرقمية الأُخرى ، وهذا